أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

261

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

من تمام الموصول ، وقد فصلت بينه وبين معموله بجملة أجنبية . وسيأتي عن هذا جواب عن اعتراض اعترض به على الأخفش . وجوّز الأخفش أن يتعلّق « فِي الْحَياةِ » ب « أَخْرَجَ » أي : أخرجها في الحياة الدنيا . وهذا قد ردّه عليه الناس بأنه يلزم منه الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي ، وهو قوله : « وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ » ، وقوله : « قُلْ : هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » ، وذلك أنه لا يعطف على الموصول إلا بعد تمام صلته ، وهنا قد عطفت على موصوف الموصول قبل تمام صلته ، لأن « الَّتِي أَخْرَجَ » صفة ل « زِينَةَ » ، و « الطَّيِّباتِ » عطف على « زِينَةَ » ، وقوله : « قُلْ : هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » جملة أخرى ، فقد فصلت على هذا التقدير بشيئين . قال : قال الفارسي - كالمجيب عن الأخفش - : « ويجوز ذلك ، وإن فصل بين الصلة والموصول ، بقوله : « هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » ، لأن ذلك كلام يشدّ الصلة ، وليس بأجنبي منها جدا ، كما جاز ذلك في قوله : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ، وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ « 1 » ، فقوله : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ معطوف على كَسَبُوا داخل في الصلة » . قلت : هذا وإن أفاد فيما ذكر فلا يفيد في الاعتراض الأول ، وهو العطف على موصوف الموصول قبل تمام صلته ، إذ هو أجنبي منه ، وأيضا فلا نسلم أن هذه الآية نظير آية يونس ، فإنّ الظاهر في آية يونس أنه ليس فيها فصل بين أبعاض الصلة . وقوله : لأن « جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها معترض ، « وَتَرْهَقُهُمْ » عطف على « كَسَبُوا » . قلنا : ممنوع ، بل « جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها » هو خبر الموصول ، فيعترض بعدم الرابط بين « المبتدأ والخبر ، فيجاب بأنه محذوف ، وهو من أحسن الحذوف ، لأنه مجرور ب « من » التبعيضية ، وقد نصّ النحاة على أن ما كان كذلك كثر حذفه وحسن ، والتقدير : والّذين كسبوا السيّئات جزاء سيّئة منهم بمثلها ، ف « جَزاءُ سَيِّئَةٍ » مبتدأ ومنهم : صفتها ، و « بِمِثْلِها » خبره ، والجملة خبر الموصول ، وهو نظير قولهم : السّمن منوان بدرهم ، أي : منوان منه ، وسيأتي لهذه الآية مزيد بيان . ومنع مكي أن يتعلق « فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » ب « زِينَةَ » ، قال : « لأنها قد نعتت ، والمصدر واسم الفاعل متى نعتا لا يعملان لبعدهما عن شبه الفعل قال : ولأنه يفرق بين الصلة والموصول ، لأن نعت الموصول ليس من صلته » . قلت : لأن « زِينَةَ » مصدر ، فهي في قوة حرف موصول وصلته ، وقد تقرر أنه لا يتبع الموصول إلا بعد تمام صلته ، فقد تحصل في تعلق « لِلَّذِينَ آمَنُوا » ثلاثة أوجه ، إمّا أن يتعلق ب « خالِصَةً » ، أو بمحذوف على أنها خبر ، أو بمحذوف على أنها للبيان . وفي تعلق « فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » سبعة أوجه : أحدها : أن يتعلق ب « آمَنُوا » . الثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنها حال . الثالث : أن يتعلق بما تعلق به « لِلَّذِينَ آمَنُوا » . الرابع : أن يتعلق ب « حَرَّمَ » . الخامس : أن يتعلق ب « أَخْرَجَ » . السادس : أن يتعلق بقوله : « الطَّيِّباتِ » . السابع : أن يتعلق ب « الرِّزْقِ » . و « يَوْمَ الْقِيامَةِ » له متعلّق واحد ، وهو « خالِصَةً » ، والمعنى أنها وإن اشتركت فيها بالطائفتان دنيا ، فهي خالصة للمؤمنين فقط أخرى . فإن قيل : إذا كان الأمر على ما زعمت من معنى الشركة بينهم

--> ( 1 ) سورة يونس ، آية ( 27 ) .